لويس أجناروا مقتفي أثر «الجزئ المعجزة»: لا علاج مجاني للفقراء في المستقبل (حوار)

لويس أجناروا يتحدث لـ«المصری اليوم»

لويس أجناروا يتحدث لـ«المصری اليوم»


تصوير :
المصري اليوم

.smsBoxContainer-v1{
display: block;
text-align: center;
}
#NewsStory .news_SMSBox {

display: inline-block;
height: 50px;
padding: 0 15px;
text-align: center;
overflow: hidden;
border: 1px solid #c5c5c5;
width: auto !important;
margin: 10px auto 0;
background-color: #efefef;
}

.article .news_SMSBox {
margin-top: 45px;
padding: 0 10px;
overflow: hidden;
}

.news_SMSBox > p {
color: #cb0000;
margin-left: 5px;
max-width: 290px;
min-width: 50px;
font-size: 70% !important;
overflow: hidden;
margin: 0;

height: 50px;
line-height: 50px !important;
display: inline-block;
float:right;
}

.news_SMSBox > iframe {
float: none;
width: 275px;
display: inline-block;
height: 49px;
}

اشترك لتصلك أهم الأخبار

قبل نحو 20 عاماً، صعد «لويس أجناروا» على منصة التتويج بقاعة الاحتفالات الكبرى بالعاصمة السويدية استوكهولم لتكريمه بالجائزة العلمية الأرفع؛ نوبل الطب. وأثناء ارتقائه درجات السلم الخمس المؤدية إلى قمة المسرح؛ تذكر عقوده الخمسة الماضية التي مرت أمام عينيه في تلك اللحظة المذهلة، شاطئ «لونج بيتش» المتاخم لمدينة نيويورك الأمريكية التي وُلد بها، الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي كادت تدمر اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية وأثرها على أسرته الصغيرة، قلاع الرمال التي بناها في سنواته الأولى، أحلامه وآماله، إنجازاته وطموحاته، وأخيرًا؛ اكتشافه المدهش: الأثر الطبى للجزىء المعجزة، المسمى بـ«أكسيد النيتريك».

«المصرى اليوم» التقت العالم الكبير «لويس أجناروا» الحائز على جائزة نوبل في الطب عام 1998 في الملتقى الدولى لعلماء نوبل والذى انعقد في مدينة «ليندوا» الألمانية، للحديث عن البدايات والإنجازات، ومستقبل أمراض القلب، وفلسفته في الحياة، والأسلوب الأمثل لعيش حياة صحية طويلة الأمد.

■ أنت الطفل الأول لأبوين هاجرا من إيطاليا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. كيف أثرت نشأتك المبكرة على تكوينك كعالم؟

– كان والدى نجاراً إيطاليًا يعمل في بناء السفن، لم يتلق أي قدر من التعليم، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهناك التقى بوالدتى التي كانت هي الأخرى مهاجرة، وحين تزوجا في نهاية ثلاثينيات القرن الماضى، انتقلا إلى مدينة لونج بيتش التي تبعد عن نيويورك بنحو 60 كيلومترًا، ولدت عام 1941، في وقت المحاولات المضنية للولايات المتحدة الأمريكية للخروج من الأزمة الاقتصادية التي ضربتها وكادت أن تدمر اقتصادها خلال الثلاثينيات.

والدتى ربة منزل، لم تعمل في حياتها واختارت أن تربينى مع أخى الأصغر، منزلنا كان على مسافة قريبة من الشاطئ، تحيطه أشجار النخيل، وكل صباح كنت أخرج من منزلى لبناء القلاع الرملية، وفى المساء كانت تلك القلاع تتهدم جراء موجات المحيط الأطلسى، علمنى بناء القلاع الكثير، فالقلعة تتهدم جراء الموج، والإنجاز يجب أن يكون على أرض صلبة، وأن الحقيقة على عكس قلاع الرمال، تصمد أمام الزمان.. وموجات المحيطات.

■ وهل كان حلمك منذ الصغر أن تغدو عالمًا في الطب؟

– لا.. لطالما ظن والدى أننى سأصبح مهندسًا بارعًا في المستقبل، فقد كنت أتقن عمليات البناء، ووضع التصاميم الهندسية، كما تعلمت في السادسة تفكيك الآلات الميكانيكية وتجميعها مرة أخرى، كنت أحب الهندسة، وتصورت أننى سألتحق بدراستها والعمل في حقلها في المستقبل.

■ ومتى قررت تحويل مسارك من بناء القلاع الرملية إلى العلوم الطبية؟

– الحقيقة أن ذلك القرار جاء مبكرًا للغاية، ربما في التاسعة من عمرى حين أقنعت والدى بالحصول على أدوات الكيمياء لإجراء التجارب، كنت مفتونًا بمحركات الاحتراق الداخلى، ورغبت في عمل تفاعلات ينجم عنها انفجارات، وبعد محاولات عدة، تمكنت من صناعة قنبلة، وقمت بتفجيرها، انزعج الجيران واستغاثوا بالشرطة، ولحسن الحظ؛ لم تلقِ القبض على كونى صغير السن، ولكنهم وجهوا إنذارًا لوالدى، الذي اضطر لسحب أدوات الكيمياء، وقتها؛ قادنى شغفى لمحاولات معرفة كيفية عمل الجسم البشرى والتفاعلات التي تحدث داخل أجساد الكائنات الحية، وقعت في حب العلوم الطبية، عوضًا عن الوقوع في متاعب أخرى قد تجلبها انفجارات القنابل الصبيانية، وذلك لحسن حظ الجيران.

لويس أجناروا يتحدث لـ«المصری اليوم»

■ وهل كانت لك هوايات أخرى مُفضلة غير صناعة القنابل وإزعاج الجيران؟

– أثناء طفولتى المبكرة كنت أهوى السباحة في المحيط الأطلنطى، وحين التحقت بالدراسة الثانوية لعبت في فريق البيسبول، وتعلمت قيادة سيارات السباق، والآن لدى حجرة داخل منزلى أستخدمها لبناء نماذج من القطارات، تمشى على قضبان أصوغها بيدى، تعمل تلك القطارات بالكهرباء المستمدة من بطاريات قابلة لإعادة الشحن، ولا أزال أقضى الكثير من الوقت في بناء محطات توقف القطارات.

■ عالم حاصل على نوبل في الطب ويهوى بناء القطارات!.. يبدو أن روح المهندس الصغير لا تزال تسيطر عليك في ذلك العمر رغم كونك متخصصا في الكيمياء والصيدلة؟

– أرى أن الأشخاص الذين حظوا بالعقلية المنطقية التي تسيطر عليها الاهتمامات الهندسية يعيشون طيلة حياتهم كمهندسين، حتى لو تخصصوا في أي مجال آخر، ربما أكون قد ورثت تلك العقلية عن والدى الذي كان يعشق البناء والتشييد هو الآخر.

■ هل لديك أخوة؟

– نعم، لدى أخ يُدعى «أنجلو» يصغرنى بـ3 سنوات، درس الكيمياء والصيدلة مثلى، لكنه للأسف لم يفز بجائزة نوبل، أعتقد أن جائزة واحدة كافية لعائلة صغيرة كعائلتى.

[image:3:center]

■ أين تلقيت تعليمك الجامعى؟

– كان وضعنا المادى غير مستقر، غير أننى تمكنت من الحصول على منحة والالتحاق بجامعة «كولومبيا» لدراسة الكيمياء، حصلت على شهادة علمية في الصيدلة عام 1962، ثم انتقلت لجامعة مينيسوتا لدراسة الفسيولوجيا والقلب، وهناك تتلمذت على يد العالم «بول بوير» والذى حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1997، أي قبلى بعام واحد فقط، ورحل عن عالمنا يونيو الماضى.

■ وما هي العقبات التي واجهتك أثناء دراستك الجامعية؟

– البرد، والرياح، والحنين إلى الأهل، والابتعاد عن سيارات السباق، وعن هواياتى المفضلة «كرة اليد القفازية».

■ وكيف تغلبت عليها؟

– بالشغف والعمل الجاد الدءوب الذي لم يترك الوقت للتفكير في السلبيات.. شغفى بالكيمياء جعل باقى الأشياء ثانوية.

جائزة نوبل

■ ما هي المقدمات التي قادتك للحصول على جائزة نوبل؟

– أثناء العمل على رسالة الدكتوراه، درست الأنماط المختلفة والاستجابات المتغيرة للخلايا العصبية، كما درست أيضًا الكيمياء الحيوية وعلوم التشريح، وتوسعت في فهم فسيولوجيا الأوعية الدموية وعلوم الإنريمات، ساعدنى أستاذى «بول بوير» كثيرًا في ذلك الأمر، وقمت بنشر عدد من الأوراق العلمية في دوريات شهيرة، بالتعاون مع فرق متخصصة أضافت لى الكثير.

بعد أن حصلت على درجة الدكتوراه، التحقت بوظيفة في المعاهد الأمريكية للصحة، وهناك قابلت «إلدوود تيتوس» المتخصص في الكيمياء والصيدلة، وخلال عامين تعلمت منه الكثير، ثم التحقت بشركة أدوية، وهناك طبقت ما درسته نظريًا على أرض الواقع، وساهمت في تطوير عقار مضاد للالتهاب، ما أكسبنى الكثير من المعرفة حول الطريقة التي يعمل بها الجسم البشرى.

■ وما الدافع وراء تخصصك في مجال الفسيولوجيا؟

– كنت مؤمن بوجود آثار على الصحة غير معروفة لبعض المواد الكيميائية، درست الفسيولوجيا والصيدلة لاختبار صحة تلك الفرضية من عدمها.

■ حصلت على جائزة نوبل في الطب عام 1998 عن اكتشافك تأثير أكسيد النيتريك على عملية تبادل الإشارات في الأوعية الدموية.. هل لك أن تبسط لنا ذلك الاكتشاف؟

– تتواصل الخلايا مع بعضها البعض عن طريق أنظمة غاية في التعقيد، تحكم التفاعلات الخلوية الأساسية، تتبادل الإشارات فيما بينها لتستجيب للمتغيرات التي تطرأ على نظامها الحيوى، تمكنت؛ مع زملائى، من استنتاج وفهم كيفية عمل أكسيد النيتريك وتأثيره على خلايا الأوعية الدموية للقلب، وهو ما قاد المجتمع العلمى لفهم أفضل لعمليات التأشير الخلوى ونقل المعلومات بين الخلايا وبعضها البعض.

يُفرز أكسيد النيتريك من الخلايا البطانية بالأوعية الدموية، ولم يكن يُعرف على وجه الدقة الفائدة وراء إفرازه، تمكنت من إثبات وجود علاقة بين إفراز ذلك الأكسيد وخفض ضغط الدم، وبالتالى توسيع الأوعية الدموية، وهذا يعنى الحماية من أمراض القلب الوعائية التي تشكل الخطر الصحى الأكبر على ملايين البشر.

■ يُعد أكسيد النيتريك ضمن أكثر الملوثات خطورة على جسم الإنسان إذ ينتج من احتراق وقود السيارات، نتيجة اتحاد النيتروجين مع الأكسجين في وجود درجات حرارة عالية كعامل حفاز ويتسبب ارتفاعه في الهواء الجوى في أعراض تسممية قد تصل للوفاة.. كيف تختلف عملية إنتاج ذلك الأكسيد داخل الجسم عن عملية إنتاجه خارجه؟

– إن ذلك الملوث الذي تصفه بالملوث الخطير نعتبره جزيئًا معجزًا إذ ما جرى إنتاجه داخل الجسم، وهو ذو أهمية كبرى في الحيوانات العليا والإنسان، فبسبب كونه غير مستقر، يتحول إلى نترات ونيتريت في غضون 10 ثوان فقط من إنتاجه داخل الأوعية الدموية، قبل أكثر من 100 عام، داوم الأطباء على إعطاء المرضى المُصابين بالذبحات الصدرية دواء النتروجلسرين، غير أنهم لم يعلموا على وجه الدقة ما الذي يفعله ذلك الدواء.

يقوم أكسيد النيتريك بالانتشار بسرعة عبر أغشية الخلايا، مؤديًا دورًا رئيسيا في توسيع الشرايين، ووقف انقباض الأوعية، ومنع تشكل الجلطات الدموية، كما ينتشر أيضًا في الخلايا العصبية، وفى الجهاز الهضمى، ويساعد على محاربة البكتيريا عن طريق تعزيز خلايا الدم البيضاء.

وشأنه شأن أي شىء آخر، يُمكن أن يكون لذلك الأكسيد أثر جانبى شديد الخطورة، ففى حالة العدوى الشديدة، تُنتج الأوعية الدموية ذلك الأكسيد بكميات كبيرة في محاولة لمحاربة العدوى، وهو ما يُخفض ضغط الدم بصورة خطيرة قد تؤدى لفقدان الوعى أو حتى الوفاة.

■ اخترع ألفريد نوبل الديناميت عن طريق استخدام النتروجلسرين.. هل ترى أن هناك أوجها للتشابه بينك وبينه؟

– بالطبع.. كلانا اكتشف أمرًا أحدث ثورة في التاريخ، وكلانا يُحب التفجيرات.

من المثير أيضًا أن نوبل توفى جراء مرض القلب، ولطالما نصحه طبيبه بتناول عقار النتروجلسرين، إلا أنه رفض تناولها على الدوام، كون تلك المادة استخدمت في صناعة المتفجرات، لم يكن يدرك وقتها أن العقار يُطلق الغاز الذي يعمل على تخفيف آلام الصدر وكبح الجلطات، لكن استغرق الأمر قرنًا من الزمان حتى عرفنا ذلك الأمر.

■ كيف أسهم اكتشافك في الحد من أمراض القلب الوعائية؟

– تُعد أمراض القلب الوعائية السبب الأول للوفاة حول العالم، إذ تتسبب في نصف عدد الوفيات المُسجلة، تحدث معظمها نتيجة الجلطات والسكتات المفاجئة، أسهم اكتشافى في الحد من تلك الوفيات، وزيادة متوسطات أعمار الأشخاص المُصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية، وصناعة مجموعة من العقاقير والأدوية التي تحد من آثار أمراض الشرايين، أنقذنا عددا كبيرا من البشر، كما قدمنا مجموعة من النتائج التي تشير إلى إمكانية استخدام أكسيد النيتريك في وقف نمو الأورام، وعلاج الضعف الجنسى، وكشف الأمراض الالتهابية، وتشخيص الربو وسرطانات القولون.

■ كيف تلقيت خبر الحصول على الجائزة؟

– كنت أنتظر ركوب الطائرة في مطار نيس متجهًا إلى نابولى، جاء لى أحد الموظفين العاملين في المطار، قال لى: هل أنت لويس أجناروا؟، بالطبع لم أكن على شهرة واسعة في تلك الآونة لدرجة تدعو موظفا حكوميا للسؤال عنى، دُهشت وقلت له نعم، قال لى إن هناك مكالمة هامة من أجلى، تلقيت المكالمة، كان أحد زملائى على الطرف الآخر، عادة يقوم بالمزاح إلا أن صوته كان جادًا على غير العادة، قال لى إنه يحاول الاتصال على هاتفى الجوال، فأخبرته أن البطارية فارغة، أبلغنى بالخبر، في الوقت الذي كان يتعالى فيه النداء الأخير لطائرتى، أغلقت الهاتف، ولم أكن أعلم إذا ما كانت مكالمته مجرد نكتة أم لا.

ركبت الطائرة، ونظرت في وجوه من حولى، متصورًا أنهم سيتعرفون عليّ إذا ما كنت فزت بالجائزة، بالطبع لم يحاول ركاب الطائرة التقاط الصور معى، فقلت إن زميلى يمزح بطريقته المعهودة، إلا أن الآمال بدأت في مداعبة خيالى.

حين حطت الطائرة على الأرض، وجدت البروفيسور الذي دعانى لإلقاء المحاضرة، لم يكن واقفًا في مبنى الاستقبال حيث ينتظر الناس المسافرين، ولكنه كان على المدرج بصحبة ضباط من الشرطة، تساءلت: ماذا يفعل الرجل هنا؟

بمجرد نزولى، استقبلنى بقوله: هل سمعت الخبر؟، فرردت: وهل هذا الخبر حقيقيًا؟، ناولنى ورقة، مكتوبة بالسويدية، لم أفهم حرفا واحدًا، نظرت إلى أسفلها فوجدت اسمى، تأكدت من الفوز بالجائزة.

■ وماذا كان شعورك حين تأكدت من ذلك الأمر؟

– الحنين للوطن، كنت أتمنى أن أكون وسط عائلتى، وأتلقى الخبر بينهم وبين زملائى.

■ وما مدى تأثير الجائزة على أعمالك البحثية؟

– كان الأمر إيجابيًا بامتياز، بمجرد طلب منحة لمعملى كنت أحصل عليها، بالطبع قضيت وقتًا أقل في العمل البحثى بسبب الرحلات والمحاضرات التي ألقيها بين الحين والآخر في كل دول العالم، لكن؛ هناك نصف ممتلئ من الكوب.

فغيابى المتكرر عن المعمل منح طلابى الفرصة ليكونوا أكثر استقلالية وإبداعا، وهذا ساعدهم على تحقيق الكثير من الإنجازات، ربما كان وجودى سيمنعها.

لقد أسهم منحى الجائزة في زيادة التدفقات المالية في صورة منح لجامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس التي كنت أنتمى إليها، خصصت لنا المعاهد الوطنية للصحة ميزانيات كبيرة، كما رعت أبحاثنا الكثير من شركات الأدوية وشركات التكنولوجيا الحيوية، وحتى الأشخاص العاديين، والذين قدموا مساهمات هامة لمعملى للمساعدة في توسيع الأبحاث الخاصة بأمراض القلب.

■ وماذا عن تأثير الجائزة على حياتك الشخصية؟

– تأثير هائل، كنت مغمورًا خارج وسطى العلمى، وفجأة؛ بدأت وسائل الإعلام في الاهتمام بى، وكأنها تهتم بالعلوم على أي حال، الكثير من المقابلات في التلفاز والإذاعة، ليس أنا فحسب؛ ولكن زوجتى أيضًا عانت من تلك الضغوط، لطالما كانت زوجتى «شارون» خجولة، كان يجب أن تشاهدها بعد حصولى على نوبل، أصبحت تتحدث في المقابلات الإعلامية بلسان طليق وكأنها سياسى مُخضرم، تغلبت على خوفها وخجلها، وتحولت إلى كائن إذاعى بامتياز.

امتلأ جدولى، وأصبحت محاضرًا في أماكن مُخصصة للجمهور العام، تواصلت ووضحت وبينت وتعلمت أمورًا حول العديد من القضايا، ليس في الطب والصحة فحسب، بل أيضًا في التمويل والسياسات العلمية وغيرها من الأمور. كونك حاصل على جائزة نوبل يجعل البشر يُحبون الاستماع إليك.

■ وهل لا زلت تعمل في المجال البحثى؟

– لا.. تقاعدت عن العمل البحثى منذ 4 سنوات، وأنا الآن متفرغ للتوعية بأهمية اتباع أنظمة صحية وحميات خاصة للابتعاد عن مسببات الإصابة بأمراض القلب. ومتفرغ أيضًا لقطع الماراثونات، أجرى للتوعية بأهمية النظام الغذائى الصحى وقطعت 13 ماراثونا إلى الآن.

■ ما هي أهم التحديات التي تواجه البشر في المستقبل بخصوص أمراض القلب الوعائية؟

– العديد من التحديات تواجهنا بخصوص أمراض القلب، منها مثلاً ضعف القدرة على التواصل بين الباحثين عن العلاجات، الكثير من الاسئلة التي لا تزال مجهولة الإجابة، أساليب الحياة غير الصحية التي يتبعها الإنسان، ضعف القدرات المالية والتمويل اللازم للبحث العلمى.

■ وكيف سيتغلب العلماء على تلك التحديات في المستقبل؟

– هناك العديد من المشروعات التي نأمل أن يكون لها جدوى في المستقبل القريب، فمثلاً تعتزم المعاهد الصحية الأمريكية إنشاء شبكات بين المراكز البحثية المتخصصة في أمراض القلب لمشاركة النتائج المستقاة من الدراسات العلمية، هناك أيضًا نمط غذائى صحى يتم الترويج له في جميع أنحاء العالم، وهناك الكثير من شركات الأدوية ورجال الأعمال الذين يستثمرون في الأبحاث العلمية الخاصة بالدواء.

■ لكن.. معنى وجود تلك الاستثمارات ارتفاع أسعار الدواء حيث إن الهدف الأساسى لشركات الأدوية الخاصة هو الربح؟

– نعم.. ستظل أسعار الأدوية الحديثة في ارتفاع، وسترتفع أكثر في المستقبل، يتكلف البحث العلمى الهادف لاكتشاف صيغة دوائية ما مئات الملايين من الدولارات، يرغب المستثمرون في الربح، ولا بديل عن تعويض التكاليف سوى ببيع الأدوية بأسعار مرتفعة.

■ سمعنا عن دواء يتجاوز سعره المليونى دولار.. كيف ترى ذلك الأمر؟

– أعتقد أن الدواء الذي تتحدث عنه هو نوع من الأدوية الشخصية، أي تلك الأدوية التي يتم تصميمها لعلاج مرض معين- في الغالب أورام سرطانية- لأجل شخص واحد فقط، هذا يتكلف الكثير والكثير، ومن الطبيعى أن يكون سعره مرتفعا.

■ لكن؛ مع تلك الأسعار لن يستطيع مواطنو الدول النامية والفقيرة الحصول على العلاج المناسب، وهو أمر يُهدر القيم الإنسانية ويُعمق الفجوة بين الأغنياء والفقراء!

– ومن قال إن المستقبل يحمل دواء مجانيا للفقراء؟. للأسف، أبحاث الدواء تحتاج تمويلا، والتمويل ينعكس على السعر، والسعر لن يكون في متناول الفقراء. فقط؛ الشخص الغنى الذي يستطيع تحمل كلفة الدواء هو من سيعالج في المستقبل.

■ وكيف السبيل إلى حل تلك المشكلة؟

– استثمار الحكومات في مجال البحوث الأساسية، دون انتظار عوائد مقابل كل دولار.

تتعامل شركات الأدوية بذكاء مع الاستثمارات التي تضخها في البحوث الأساسية، لا يعنى كل بحث جديد دواء جديدا، وبالتالي؛ تحسب تلك الشركات معدلات المخاطرة برءوس الأموال بدقة شديدة، وتأخذ في الاعتبار احتمالات الفشل. أما السياسيون؛ يرغبون في منتجات على الدوام، وكأن تلك المنتجات ستخرج من العدم.

أرى أن حل تلك المشكلة يكمن في تطبيق سياسات أكثر استنارة في المستقبل تجاه البحث العلمى، وأعتقد أن تلك السياسات لن تُطبق، فالحروب والنزاعات وسباق التسليح أهم عن الساسة من صحة المواطنين.

■ وهل يكمن الحل في فرض الحكومات ضرائب تخصص مباشرة للبحث العلمى في مجال الدواء؟

– بالطبع يُمكنها أن يكون ذلك حلاً، لكن الأموال لن تذهب في النهاية للبحث العلمى، بل ستذهب لجيوب الساسة. أنا أدفع نحو 40% من دخلى كضرائب، أين تذهب كل تلك الأموال.. لا أعلم حقيقة.

■ عودة إلى أمراض القلب والشرايين، هل تتوقع أن تزيد معدلات الإصابة بها في المستقبل؟

– بالطبع، نحن عالم جائع يجنح لتناول الوجبات الشهية، تسيطر علينا الشهوات التي تُدمرنا من الداخل، التدخين رغم التحذيرات المكتوبة على علب السجائر لم يوهن من عزيمة المدخنين، والأطعمة السريعة آخذة في الازدياد، كونها قمامة بسعر رخيص، معدلات التلوث ترتفع، والتغيرات المناخية لها أثر سلبى على الصحة العامة ولا سيما أمراض القلب والشرايين، كلها أمور تقول إن المستقبل سيشهد ازديادا في معدلات الوفاة بأمراض القلب.

■ حتى في ظل التطور السريع للعلاجات والتقنيات المستخدمة في إجراء الجراحات؟

– إن التطور الحادث في التقنيات والعلاجات لا يواكب بأى حال من الأحوال الكوارث المؤدية لتلك المشكلة.

■ وهل هناك ثمة حلول بعيدة عن ابتكار أدوية جديدة أو تقنيات حديثة؟

– بالطبع، فرض الضرائب الباهظة على الأغذية غير الصحية، وهو أمر سيؤدى إلى ارتفاع ثمنها وعزوف الناس عنها، مكافحة التدخين وتشديد العقوبات المفروضة على المدخنين في الأماكن العامة، تبنى سياسات صحية وبناء ملاعب أكثر وتوعية التلاميذ، كلها أمور ستحد من العبء الاقتصادى المتعلق بالرعاية الصحية لمرضى القلب، كلها أمور تصب في مصلحة الساسة في نهاية الأمر والأموال تملأ جيوبهم هم في النهاية، لكنهم بطبيعة الحال لديهم مجموعة من الحسابات البعيدة عن المصالح المباشرة للمواطنين.

■ لو كان الأمر بيدك.. ماذا ستكون خطتك المستقبلية لعلاج أمراض القلب؟

– في الماضى، اعتمد الطب التقليدى على إدارة الأمراض، محاولة شفاء المرضى عن طريق العلاجات المتوافرة في السوق، أو بالجراحات التقنية، رغم أن 90 % من أمراض القلب يمكن الوقاية منها أو عكس آثارها على أقل تقدير.

خطتى للمستقبل هي التركيز ليس على القلب فحسب، بل أيضًا على بطانته، وأعتقد أن الأبحاث العلمية في الوقت الحالى انتبهت لهذا الجزء غير المعروف، فنقطة البداية للخلل في وظائف القلب أو بطانة القلب، لذا؛ لا أستبعد أن يكون مستقبل الأدوية هو استهداف مواطن الضعف في البطانة.

كما أننى سأركز أيضًا في خطتى الخيالية على التوعية، لا يجب بأى حال من الأحوال أن نترك البشر يتصرفون من تلقاء أنفسهم تجاه صحتهم، فالصحة تنعكس على الميزانيات العامة، وتراجعها يُشكل أعباء على المجتمع وعلى المحيطين.

لو كان بيدى لمنعت إعلانات الصحف التليفزيون الخاصة بالأغذية غير الصحية، أعتبر الإعلام شريكًا في بيع الطعام المسمم للأطفال. كنت في مقابلة متلفزة خاصة بصحة القلب، وبمجرد أن تفوهت بضرورة عدم الاعتماد على الأطعمة المُصنعة خارج المنزل وضرورة اتباع نمط غذائى قائم بالأساس على الخضروات والفاكهة قاطعنى المُذيع، وحول الحديث إلى مسار آخر تماما، للأسف: الإعلام كما الساسة؛ أخر اهتماماته صحة المشاهدين.

لكن للأسف، لن أتمكن من تنفيذ خطتى، نحن في عالم بعيد عن المثالية.

■ ما هي نصائحك للمحافظة على الصحة لأطول فترة ممكنة؟

– إذ أحببت طعاما ما، يجب أن تحرم نفسك منه.. هذه هي القاعدة الأولى. يجب علينا تناول الخضروات طيلة الوقت، تلك هي القاعدة الثانية، 5 وجبات يوميًا، لا تملاً بطنك، مارس الرياضة بانتظام، تحكم في السعرات الحرارية، تنوع مصادر تلك السعرات هام للغاية أيضًا.

■ وهل هناك محظورات في التعامل مع الطعام؟

– بالطبع، لن أكون متطرفًا وأطالب البشر بالاستغناء عن اللحوم، لكن يجب أن يعلم الجميع أن اللحوم الحمراء لا تُسبب أمراض القلب فحسب، بل لها علاقة أيضًا بالسرطان. وأيضًا يجب التخفيف من كميات ملح الطعام في الوجبات، الملح قاتل، يدمر الشرايين الرئيسية، ويعطل بعض الوظائف الحيوية، ويمنع امتصاص الفيتامينات والمعادن.

■ وهل تتبع حمية غذائية صحية؟

نعم.. أنا مثلاً لا أضيف الملح على أي طعام، وأكتفى باكتساب الصوديوم من الفواكه والخضروات.

■ قبل عدة سنوات، تناولت الصحف السعودية خبر تعيينك في إحدى الجامعات السعودية.. هل هذا الأمر صحيح؟

– نعم.. عملت لفترة في جامعة الملك سعود.

■ وهل وجدت اختلافات بين العمل في منظومة البحث العلمى الأمريكية والمنظومة العلمية السعودية؟

– بكل تأكيد.. لا وجه للمقارنة بين عملى في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، أمريكا لديها منظومة شاملة في البحث العلمى، ورغم صعوبات التمويل إلا أن البحث العلمى لا يزال متقدمًا للغاية، علاوة على انفتاح الولايات المتحدة الأمريكية على كل الثقافات، وجلبها للباحثين المتميزين في شتى المجالات للدراسة ضمن أنظمة المنح هناك.

في المملكة العربية السعودية، طلبوا منى وضع منظومة علمية، كانت المهمة مُحددة، نفذتها ثم رحلت.

■ وما أثر تلك المنظومة الآن على البحث العلمى في السعودية؟

– الحقيقة لا أعلم.

■ وهل ترى أنك أثرت في تلك المنظومة؟

– التأثير يحتاج لتضافر كل الجهود.. أنا مجرد شخص واحد.

■ وما الفروق التي لاحظتها بين الباحثين العرب ونظرائهم في الولايات المتحدة الأمريكية؟

– الباحثون في المنطقة العربية يفتقدون القدرة على التواصل، يُعانون من التمويل الضعيف، يرغبون في السفر للدول المتقدمة طيلة الوقت، وهذا حقهم بطبيعة الحال.

■ وبماذا تنصح شباب الباحثين؟

– العمل بدأب، التغلب على الإحباطات وتخطى الأزمات، التعاون مع الفرق البحثية في الجامعات الكبرى، نشر النتائج في المجلات المتخصصة.. وأخيرًا: الابتعاد عن الأضواء في تلك المرحلة من حياتهم.

محمد منصور

Leave a Reply