في المرة الأولى التي جلس فيها المدرب الإسباني بيب جوارديولا على مقاعد البدلاء في ملعب سانتياجو برنابيو عام 2009، فاجأ فريق ريال مدريد بخطة تكتيكية عندما دفع بالنجم ليونيل ميسي في مركز المهاجم الوهمي، لينتهي اللقاء بفوز كاسح ما زال أثره مؤلمًا حتى اليوم.
لكن في الليلة الماضية، تعرض المدرب لانهيار فني في قراءته للمباراة، وهو ما جعل المواجهة أمام مانشستر سيتي — رغم أنهم كانوا المرشحين الأوفر حظًا — تتحول إلى مهمة شاقة للغاية.
وخسر مانشستر سيتي أمام ريال مدريد بنتيجة (3-0)، على ملعب “سانتياجو برنابيو”، في ذهاب دور الـ16 بدوري أبطال أوروبا.
قال ألفارو أربيلوا مدرب ريال مدريد في المؤتمر الصحفي قبل المباراة: “جوارديولا دائمًا ما يملك مفاجأة، مهما شاهدت فرق بيب جوارديولا فإنه دائمًا يحتفظ بشيء غير متوقع، سأشعر بدهشة كبيرة إذا لم تطرأ بعض التغييرات على تشكيل مانشستر سيتي غدًا، يجب أن تكون مستعدًا دائمًا عندما تواجه مدربًا مثله، لأنه يميل إلى الإفراط في التفكير في خططه التكتيكية”.
لم يكن ألفارو أربيلوا بعيدًا عن الصواب، وبالفعل ورغم أنه لم يمنح أي تلميحات كان من الممكن توقع بعض الاستمرارية في التعديل الذي أدخله بيب جوارديولا خلال الأسابيع الأخيرة، والذي جاء مدفوعًا بالتعاقد مع مارك جيهي وأنطوان سيمينيو، ليعيد الحيوية إلى فريق مانشستر سيتي الذي حقق تسعة انتصارات وتعادلين فقط في آخر 11 مباراة له في مختلف البطولات.
خطوة غير مسبوقة لجوارديولا
في خطوة غير مسبوقة خلال مسيرته التدريبية، كان بيب جوارديولا يعتمد على نوع من خطة 4-4-2 على شكل الماسة، مع وجود ماتيوس نونيز وريان آيت نوري كظهيرين على الأطراف وبرناردو سيلفا ونيكو أورايلي في وسط الملعب، بينما لعب ريان شرقي خلف ثنائي الهجوم المكوّن من إيرلينج هالاند وأنطوان سيمينيو.
وكانت البنية الأساسية في ملعب سانتياجو برنابيو مشابهة إلى حد كبير، لكن اللاعبين الذين اختيروا لتنفيذها كانوا مختلفين تمامًا.

كان من الصعب تحديد ما إذا كان بيب جوارديولا، الذي أظهر قدرًا كبيرًا من الاحترام قبل المباراة لفريق ريال مدريد، يسعى إلى فرض تأثيره أم أنه تأثر به.
وبدا ذلك واضحًا بشكل خاص في إشادته بفينيسيوس جونيور، نظرًا لإدراكه لقدرة اللاعب على توسيع الملعب خلال التحولات الهجومية، وربما يفسر هذا السبب اختياره لظهيرين قصيرين نسبيًا مثل عبد القادر خوسانوف ونيكو أورايلي.
وقال بيب جوارديولا لاحقًا بعد المباراة عن اختياراته: “كم مرة لعب نيكو أورايلي في مركز الظهير الأيسر هذا الموسم؟ التعديل الوحيد كان إشراك عبد القادر خوسانوف لأن فينيسيوس جونيور يلعب في تلك الجهة، وأردنا لاعبًا لا يركز كثيرًا على الهجوم”.
وأضاف: “أما البقية؟ اللعب بجناحين؟ نعم لقد تعرضوا للإصابة لمدة شهرين، لكن سافينيو كان رائعًا أمام نيوكاسل يونايتد، وجيريمي دوكو يشكل دائمًا تهديدًا”.
ابتداءً من تلك اللحظة، تغيرت خطة اللعب بشكل ملحوظ، فقد كان وجود جيريمي دوكو على الجناح الأيسر متوقعًا إلى حد ما، خاصة مع بقاء ذكرى أدائه في مرحلة الدوري حاضرة، عندما نجح في ست مراوغات من أصل عشر محاولات.
أما وجود سافينيو على الجناح الأيمن فكان أقل توقعًا بكثير، خصوصًا أنه دفع أنطوان سيمينيو إلى العمق، وهو ما أسفر عن تشكيل أساسي يضم أربعة لاعبين بخصائص هجومية مختلفة.
خلال أول 15 إلى 20 دقيقة، حاول مانشستر سيتي السيطرة على فريق ريال مدريد الذي اعتبروه ضعيفًا، ومع ذلك واجهوا فريقًا يمتلك خطة لعب واضحة جدًا: الحفاظ على الانسجام عند فقدان الكرة، وتهديد الخصم بهجمات مرتدة، مستفيدًا من سرعة فينيسيوس جونيور وقوة فيديريكو فالفيردي، الذي عاش ليلة استثنائية وسجل ثلاثية في الشوط الأول أرهقت فريق السيتي.

كانت الطريقة رائعة للغاية، لكنها تعززت بشكل كبير بسبب غياب فريق مانشستر سيتي عن وسط الملعب أمام الرباعي أوريلين تشواميني وتياجو بيتارش وأردا جولر وفيديريكو فالفيردي.
وكان رودري وبرناردو سيلفا متغلبًا عليهما في وسط الملعب، وكشف ذلك عن ضعف مانشستر سيتي في كل هجمة سريعة شنها فريق ريال مدريد الذي امتلك الكرة بنسبة أقل (40%) لكنه لم يتلق سوى 0.56 فرصة متوقعة (xG) مقارنة بـ2.59 خلقها.
اعترف بيب جوارديولا بعد المباراة قائلاً: “لا أشعر أننا لعبنا بشكل سيئ جدًا، لدي شعور بأننا لعبنا جيدًا وتمكنا من الوصول إلى الثلث الأخير من الملعب”.
ومع ذلك، تتناقض هذه الكلمات مع قراره باستبدال سافينيو الذي قدم أداءً ضعيفًا نسبيًا (0/1 مراوغات) في منتصف الشوط الأول لتعزيز وسط الملعب بإشراك رايندرز، ولاحقًا إدخال ريان شرقي بدلًا من أنطوان سيمينيو.
وأشار المدرب الإسباني قائلاً: “هل هناك أي فرص للعودة في المباراة؟ ليست كثيرة وسنحاول، لكن الخيارات محدودة، نعلم أننا بحاجة لتقديم أداء أفضل”.
وكان هذا التحدي أمام بيب جوارديولا الذي تكبد أكبر هزيمة له في مباراة إقصائية بدوري أبطال أوروبا، إلى جانب هزائمه أمام برشلونة (2014-2015) وليفربول (2017-2018).
وإذا كان هناك من يمتلك الموهبة للابتكار فهو جوارديولا بلا شك، ولو نجحت خططه لكنا نتحدث عن عبقريته، لكن أحيانًا من الأفضل عدم العبث بما هو ليس مكسورًا.