سلطت تقارير صحفية خارجية الضوء على تأثير محمد صلاح، نجم ليفربول الإنجليزي، خارج كرة القدم، في إنجلترا، وذلك مع اقتراب مغادرته للريدز، بنهاية الموسم الجاري.
ومنذ انضمامه لليفربول في صيف عام 2017، سجّل النجم المصري 257 هدفًا في 441 مباراة، وهو رقم قياسي لم يتجاوزه سوى لاعبان في تاريخ النادي.
وذكرت صحيفة ذا أثلتيك البريطانية أن مسيرة محمد صلاح في ليفربول لم تخل من الجدل، لكن أسطورته راسخة، حيث يمتد إرثه إلى ما هو أبعد من ملعب أنفيلد. وتناولت في تقرير شامل علاقته بدينه وتأثيره على مدينة ليفربول، خلال مسيرته مع النادي التي استمرت 9 سنوات.
تغيير النظرة تجاه المسلمين
واختارت ذا أثلتيك زاوية لتأثير صلاح على مجتمع ليفربول، من خلال سكان شارعي جرانبي وبيكونسفيلد في منطقة L8 بتوكستيث، التي احتفلت بتزيين أعمدة الإنارة بأعلام خضراء وبيضاء وحمراء، قبل أيام، ورفعوا علم أرض الصومال استعدادًا للاحتفال بيوم السيادة.
وتُعدّ L8 مجتمعًا ذا أغلبية سوداء، ارتبطت في البداية بالهجرة من غرب أفريقيا ومنطقة الكاريبي، ولكن في الآونة الأخيرة بأجزاء مختلفة من العالم الإسلامي، ولها هوية مختلفة عن ليفربول، ويشكل السكان البيض من الطبقة العاملة غالبية السكان.
ويُقدّر أن 99% من سكان أرض الصومال يدينون بالإسلام السني، وهم في منطقة L8 يفخرون بشدة بتاريخهم، وفي 2024، قدّم مجلس مدينة ليفربول اقتراحًا للحكومة البريطانية للاعتراف باستقلال المنطقة، ويقول السكان إن هذا الدعم قد عزّز حبهم لليفربول.
وقال مالك كركر، المتخصص في اللغة العربية والذي عمل مترجمًا بمنطقة L8 لصحيفة ذا أثلتيك: “تسبب قدوم صلاح في فتح باب الحوار بين المجتمعات التي طالما نأت بنفسها عن بعضها”.
وأضاف: “إن تأثير صلاح يتجاوز كرة القدم بكثير.. صحيح أنه منح ليفربول الأهداف والألقاب والفخر، لكن تأثيره خارج الملعب كان أكبر بكثير، حيث ساهم في تغيير النظرة السائدة عن المسلمين في ليفربول، وفي جميع أنحاء المملكة المتحدة وخارجها”.
وأشار كركر إلى أن إنجازات صلاح وشعوره بالانتماء لم يساعدا المسلمين فحسب، بل ساعدا مدينة ليفربول أيضًا على أن تكون في أفضل حالاتها، حيث أصبحت مكانًا للتنوع والقبول والتضامن.
وأوضح أن التزام صلاح ساهم بأعلى المعايير كلاعب كرة قدم في تغيير بعض المواقف في منطقة L8، التي عانت من مشاكل المخدرات لأجيال، حيث غيّر أسلوب حياة الفرعون النظيف طريقة عيش الناس أحيانًا، حتى وإن لم يلتقِ بهم.
إلهام الشباب العربي
من جهتها، قالت إحدى سكان منطقة L8: “كنت أعمل في مؤسسة تعليمية في منطقة ذات أغلبية بيضاء من المدينة، وعندما كان الطلاب يرون حجابي، وكانوا يسألوني عن بلدي، وكانت الإجابة السودان، ولكن عندما أوضحت أنه بلد يحد مصر، كان ردهم: مثل محمد صلاح؟”.
وانتقلت ذا أثليتك إلى الشاب، عماد علي، الذي أطلق بطولة كرة قدم عام 2021 احتفاءً بالجاليات المختلفة التي تعيش في ليفربول، تحت اسم: “العالم في مدينة واحدة”، وتُقام كل صيف وحققت نجاحًا باهرًا، وجذبت جماهير غفيرة.
وقال علي، مشجع ليفربول ذو الأصول اليمنية، لصحيفة “ذا أثليتيك” إنه كان يتساءل عما إذا كان سيملك الجرأة الكافية للتعبير عن أفكاره وعرضها أمام الجميع قبل بضع سنوات فقط، ولكن رؤية لاعبين مثل محمد صلاح يتألقون بهذا الشكل، تسبب في إلهامه في أن يُفكر في إمكانية التعبير عن نفسه.
كما قال جيمي جاين، مواطن ذو أصول جامبية وصينية: “ليفربول مدينة متعددة الأعراق أكثر منها متعددة الثقافات، لكن محمد صلاح أحدث فرقًا كبيرًا في إعادة إحياء النقاشات التي كانت صامتة لسنوات طويلة حول هوية ليفربول”.
فتح أبواب المساجد
أما إيان بيرن، وهو حامل تذكرة موسمية في ملعب أنفيلد، وعضو في البرلمان عن حزب العمال عن دائرة ويست ديربي، فيرى أن صلاح من أهم الشخصيات في تاريخ ليفربول.
ويعتقد إيان بيرن أن علاقة ليفربول بالجالية المسلمة، قبل صلاح تحديدًا، كانت منفصلة، وبحلول عام 2017، انخرط بيرن بشكل كبير في حملة “المشجعون يدعمون بنوك الطعام”، وأصبح أحد مساجد المدينة من أكبر المتبرعين لها، وعندما لعب صلاح مع منتخب مصر في كأس العالم في ذلك العام، فتح المسجد أبوابه، وكان هناك أكثر من مئة شخص، وكثير منهم لم يسبق لهم دخول مسجد بسبب انعدام الثقة، إلا أن نجم ليفربول نجح في كسر العديد من الحواجز.
وقال بيرن: “عندما أفكر في صلاح، لا يقتصر الأمر على كونه لاعب كرة قدم فحسب، بل أصفه بأنه أحد أكثر الشخصيات توحيدًا للمنطقة في تاريخ المدينة.. ستكون مغادرته خسارة فادحة”.
وأشار التقرير إلى أن صلاح هو ثاني أكثر لاعبي كرة القدم المسلمين متابعةً في العالم، وفي بداية شهر مايو، كان لديه 65.2 مليون متابع على انستجرام، فيما يبلغ عدد متابعي كريم بنزيما 73.9 مليون على انستجرام.
وتابع: “تنقل صلاح بين أربعة أندية أوروبية أخرى قبل الانتقال لليفربول، وفي 2023، وبعد فترة وجيزة من مفاوضات بنزيما مع اتحاد جدة، رفض نجم ليفربول عرضًا من نفس النادي، حيث أراد مواصلة مسيرته الكروية على أعلى المستويات”.
العلاقة بين صلاح ووكيله
وأكملت الصحيفة: “تُتيح مكانة صلاح المرموقة نفوذًا كبيرًا، لكنه لم يسعَ لتغيير العالم، ولم يكن ذلك جزءاً من استراتيجيته الشاملة، فهو ووكيله، المحامي رامي عباس المقيم في دبي، لا يتعاونان مع الرعاة المهتمين به بسبب معتقداته الدينية”.
وواصل التقرير أن رامي عباس، الذي يتولى إدارة شؤون صلاح خارج الملعب منذ انضمامه إلى روما عام 2015، أراد أن يتحكم اللاعب بهويته بدلاً من السماح لقوى أخرى بتشكيلها نيابةً عنه، وخلص إلى أن الحملات المتعلقة بالعرق أو الدين لا تدوم في وسائل الإعلام إلا لفترة وجيزة قبل أن تتلاشى.
واستطرد: “وضع صلاح وعباس استراتيجية علاقات عامة خاصة بهما، ولم يستشيرا المختصين لفترة طويلة، وتقبّل الاثنان أن النقاد سيطالبون صلاح بالتحدث أكثر عن بعض القضايا، لكنهما اتفقا على أن أداءه كلاعب كرة قدم كان أبلغ من الكلام”.
وأضاف: “الدين جزء من هوية صلاح، لكن عباس لم يرغب في أن يُحدد الدين الانطباعات عنه، وعندما اقترحت إحدى المجلات إجراء مقابلة وجلسة تصوير تحت عنوان يوحي بأن صلاح هو “المسلم المفضل في العالم”، رفض عباس الفكرة”.
وأتمت صحيفة ذا أثليتك تقريرها: “غالبًا ما يضطر صلاح إلى توخي الحذر نظرًا لمكانة مصر في العالم والوضع السياسي فيها، ولكنه تعلم أيضًا، من خلال أكثر من طريقة، من خلال محتوى صالة الرياضة الذي ينشره على انستجرام، أن إظهار القوة البدنية قد يكون مُجديًا في بعض الأحيان. يُحب صلاح أن يعتبر نفسه مصدر إلهام، وقد حثّ الناس على السعي وراء أحلامهم، كما فعل هو من قرية نجريج النائية”.