انتهت قصة حب محمد صلاح مع ليفربول التي دامت تسع سنوات، حيث يستعد أحد أعظم لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز لتوديع ملعب أنفيلد يوم الأحد، بعد أن رسخ مكانته كأحد أبناء النادي المفضلين، بفضل سجله التهديفي المذهل وحصته الكبيرة من الألقاب.
إرث صلاح.. ما لا تعرفه عن رحلة الفرعون مع ليفربول
وسلطت صحيفة “ذا أثلتيك” الضوء على إرث صلاح، حيث تحدثت مع أقرب الناس له عن سر تميزه، داخل الملعب وخارجه.
وتحدث الهولندي بيب ليندرز، مساعد مدرب ليفربول السابق، عن عمله مع صلاح لما يقارب سبع سنوات في ليفربول، قبل أن يغادر النادي في نهاية حقبة يورجن كلوب صيف 2024، قبل أن يعمل هذا الموسم كمساعد لبيب جوارديولا في مانشستر سيتي.
“القصص لا يكتبها إلا القليل”
وقال بيب ليندرز لصحيفة “ذا أثلتيك”: “هناك مقولة تقول إن الشخصية الحقيقية تظهر عندما لا يراها أحد، تتجلى الشخصية الحقيقية عندما تبدأ بتحقيق الانتصارات المتتالية، كان صلاح دائمًا يركز على اللحظة الحاسمة، لديه تفانٍ في حسم المباريات، وشغفٌ كبيرٌ لتسجيل المزيد من الأهداف”.
وتابع: “لديه عقليةٌ تُحفز على هزيمة الخصم مرارًا وتكرارًا، انطلاقات، مراوغات، جماهير أنفيلد تهتف بحرارةٍ لحظة استلامه الكرة، لأن أي لحظةٍ قد تتحول إلى ذكرى خالدة، الذكريات هي الشيء الوحيد الذي يجمعنا الآن، كل تلك اللحظات التي حُسمت فيها المباريات بلمسة سحرية، وهتفت جماهير أنفيلد باسمه، الإرث لا يصنعه إلا القليل، والقصص لا يكتبها إلا القليل، والأرقام القياسية لا تُسجل إلا للقليل”.
مدرب حراس ليفربول السابق: صلاح كان قدوة لزملائه
يتذكر جون أشتيربيرج، مدرب حراس المرمى السابق في ليفربول: “عندما وصل مو في صيف 2017، كثر الحديث عن فشله في الدوري الإنجليزي الممتاز، كان الناس يتساءلون عن سبب تحطيمنا لرقمنا القياسي في الانتقالات للتعاقد معه، تجاهلوا حقيقة أنه بالكاد حظي بفرصة مع تشيلسي، ثم تألق بشكل لافت في الدوري الإيطالي”.
وأكمل: “أول ما خطر ببالي عندما رأيته يتدرب للمرة الأولى هو: ‘يا له من لاعب سريع!، كان يمتلك كل ما تتمناه في مهاجم جناح: خفة الحركة، والروح القتالية، والحماس، وعدم منح المدافعين أي فرصة للراحة. سرعان ما اتضح أنه كان مهووسًا بتسجيل الأهداف وأن يكون في أفضل حالاته”.
وواصل: “كان يورجن يضغط على اللاعبين بشدة، لكن مو لم يكن بحاجة إلى أي ضغط، كان دائمًا في صالة الألعاب الرياضية، وضع المعايير وساعد في خلق ثقافة مميزة، استثمر صلاح الكثير من الوقت والجهد في تحسين كل جانب من جوانب لعبه، كان دائمًا هادئًا في غرفة الملابس، ليس من النوع الذي يصرخ أو يرفع صوته، بل كان شخصًا يقود زملائه من خلال كونه قدوة لهم”.
كواليس تطور صلاح في ركلات الجزاء
وتحدث توم فيرنر، رئيس نادي ليفربول، عن تسديد صلاح لركلة الجزاء ضد توتنهام في نهائي دوري أبطال أوروبا، بعد إصابته في نهائي البطولة ذاتها من قبل: “كان من المناسب جدًا أن يحظى مو بتلك اللحظة في مدريد بعد ما حدث له في كييف، أعلم أنه كان يتدرب على ركلات الجزاء طوال الأسبوع، وكان قد قرر الجهة التي سيسدد منها إذا حصلنا على ركلة جزاء في المباراة النهائية، لكنه غيّر رأيه في اللحظة الأخيرة أثناء ركضه، سدد الكرة بقوة هائلة لم تترك للحارس أي فرصة”.
وكشفت الصحيفة عن كواليس تسديد صلاح لركلات الجزاء عبر مسيرته، حيث بعد إضاعته أول ركلة جزاء في مسيرته مع ليفربول ضد هدرسفيلد تاون في أكتوبر 2017، لم يدخر صلاح جهدًا في محاولاته لتحسين أسلوبه.
قبل كل مباراة، كان المحلل جيمس فرينش يجمع مقاطع فيديو لركلات الجزاء الخمس السابقة التي واجهها حارس مرمى الفريق المنافس، وكان صلاح يستشير أشتيربيرج، الذي تحدث قائلًا: “كان مو يقول لي: هل هناك نقطة ضعف لدى هذا الحارس؟ أين أسدد الكرة بشكل أفضل؟، كان يريد فقط الحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات، كان الأمر يتعلق بمنحه الثقة”.
سجّل صلاح 46 ركلة جزاء من أصل 56 سددها مع ليفربول، بنسبة نجاح بلغت 82%. ومن بين اللاعبين الذين سددوا 20 ركلة جزاء أو أكثر مع النادي، يتفوق عليه فقط ستيفن جيرارد (83%) ويان مولبي (93%) في نسبة التسجيل.
نظام صارم.. كيف حافظ صلاح على جاهزيته الدائمة؟
كانت قدرته على التحمل استثنائية، خلال مواسمه الستة الأولى مع ليفربول، غاب عن عشر مباريات فقط في الدوري، اثنتان منها بسبب مشاركته في كأس الأمم الأفريقية 2022.
تضمن نظامه الصارم ممارسة اليوجا والتأمل يوميًا، واتباع نظام غذائي يعتمد على الفاكهة والخضراوات والسمك المشوي والدجاج والسلطة، مع تجنبه للأطعمة المصنعة، بالإضافة إلى صالة رياضية ومسبح، كان منزله مجهزًا بأجهزة العلاج بالتبريد وغرف الأكسجين عالي الضغط للمساعدة على التعافي.
يقول فيتور ماتوس، المدرب المساعد لفريق ليفربول والمدرب الحالي لسوانزي سيتي: “لطالما منح مو اهتمامًا كبيرًا بجسده، منزله مليء بالمعدات الرياضية، لهذا السبب كان ملتزمًا ومتاحًا دائمًا تقريبًا، أكثر ما أثار إعجابي هو التزامه بالتدريب اليومي”.
وعلى مر السنين، قدم نصائح قيّمة للعديد من لاعبي النادي الشباب حول نظامهم الغذائي، وبرامجهم التدريبية، وخطط التعافي.
دور صلاح مع ناشئين ليفربول
يقول أليكس إنجلثورب، مدير أكاديمية ليفربول: “قبل أيام قليلة، كان لدينا بعض اللاعبين المصابين من فريق الشباب يتابعون الفريق الأول عن كثب، ويراقبون استعداداتهم قبل التدريب في صالة الألعاب الرياضية، توجه صلاح إليهم مباشرةً، وسألهم عن أسمائهم، وعن مراكزهم في الملعب، وأكد لهم مدى أهميتهم لمستقبل النادي، وضرورة بذلهم قصارى جهدهم لضمان أفضل فرصة ممكنة للوصول إلى الفريق الأول وإثبات جدارتهم. لقد كان ذلك تصرفًا مميزًا، ليس فقط لأنه خصص وقتًا للتحدث معهم، بل لأنه حرص على إيصال رسالته بوضوح ودقة”.
يُعدّ الظهير الأيمن الشاب لوكا ستيفنسون، الذي قضى هذا الموسم مُعارًا إلى دندي يونايتد، من بين اللاعبين الذين استفادوا من مساهمة صلاح، حيث قال: “كان مو رائعًا بالنسبة لي، عندما تلعب مع لاعب بهذه الجودة، فإنك تستفيد مما يُقدمه لك، من المؤكد أن مساعدة أفضل جناح أيمن في العالم تُعدّ أمرًا بالغ الأهمية”.
أرنولد يكشف كواليس صداقته مع صلاح: من أكثر الأشخاص تواضعًا
وتحدث ظهير أيمن آخر عن تأثير صلاح، هو زميله السابق ترينت ألكسندر أرنولد قائلًا: “أجمل ذكرياتي مع مو هي على الأرجح تلك العلاقة المميزة التي جمعتنا، كنا متفاهمين للغاية على أرض الملعب، في كثير من الأحيان، لم نكن بحاجة حتى للكلام؛ كان الأمر طبيعيًا تمامًا، أشبه بالتخاطر أحيانًا، كان يعرف متى تصلني الكرة إلى أين ستذهب، وكنت أعرف تحركاته. كان تفاهمًا مميزًا”.
وأوضح: “ما قد لا يراه الناس كثيرًا هو شخصيته بعيدًا عن كرة القدم، بالنسبة لشخصٍ يُعتبر نجمًا عالميًا، فهو متواضعٌ للغاية، وواقعي، بصراحة، هو من أكثر الأشخاص تواضعًا الذين قابلتهم، يهتم بصدق بالآخرين وبحياتهم، يهتم بك كإنسان أولًا”.
واستمر أرنولد في الإشاد بصلاح قائلًا: “في الملعب، هو وحشٌ وفائزٌ لا يُقهر، لكن خارجه، هو قدوةٌ في طريقة تعامله مع الناس وسلوكه اليومي، أعتبره صديقًا مقربًا جدًا، هو بمثابة فردٍ من عائلتي”.
بداية حزينة ونهاية محبطة.. كيف عاش صلاح موسمه الأخير في ليفربول؟
بدأ الموسم، الذي كان الأخير لصلاح في ميرسيسايد، في ظروف مأساوية، مع وفاة ديوجو جوتا المأساوية في حادث سيارة في إسبانيا في يوليو الماضي.
في ليلة افتتاح هذا الموسم، وقف صلاح وحيدًا أمام جماهير الكوب، والدموع تملأ عينيه، يصفق بحرارة بينما دوّت أغنية جوتا في أرجاء ملعب أنفيلد
ما كان متوقعًا أن يكون موسمًا صعبًا لليفربول، تحوّل إلى ما هو أصعب مما توقعه أيٌّ من المعنيين، حيث لم يصل صلاح لمستواه المعهود، واستبعده سلوت من التشكيل الأساسي لفترة، حيث شعر صلاح بأنه كبش فداء، وصرح للصحفيين بعد التعادل 3-3 مع ليدز يونايتد على ملعب إيلاند رود في ديسمبر أن علاقته مع سلوت قد انهارت.
“فريد من نوعه”.. رئيس ليفربول يتحدث عن مباراة صلاح الأخيرة
أثارت تصريحاته جدلًا واسعًا بين جماهير النادي الغاضبة من النتائج، لكن إرثه باقٍ، وفي ملعب أنفيلد يوم الأحد، سيحظى بوداعٍ مهيب.
من المقرر أن يصل فيرنر رئيس نادي ليفربول من الولايات المتحدة لحضور المباراة الأخيرة من الموسم ضد برينتفورد، حيث تحدث عن وداع صلاح قائلًا: “بصفتي رئيسًا للنادي، أشعر بامتنان بالغ لكل الذكريات التي منحنا إياها مو، وأود أن أشكره على ذلك”.
وتابع: “أهداف لا تُحصى، وأرقام قياسية كثيرة حُطمت، هو لاعب فريد من نوعه، لا يتكرر إلا نادرًا، كلما لمس الكرة، كان بإمكانك أن تشعر بالحماس يتصاعد في الملعب، لأنك كنت تعلم أن هناك احتمالًا كبيرًا أن يُقدم شيئًا استثنائيًا”.
واختتم: “لقد وصل إلى هذه القمم بفضل التزامه بالتميز، وضع معايير يحتذى بها، وأصبح ذلك مُعديًا، قدم أداءً متميزًا عامًا بعد عام، وهو أسطورة حقيقية لهذا النادي، إنه رجل عائلة هادئ، حقق نجاحات باهرة”.