بين الهوس والإنسانية والكمال.. جوارديولا كما رواه المقربون في مانشستر سيتي

انتهت مسيرة واحد من أبرز المدربين في تاريخ كرة القدم في الدوري الإنجليزي، وهو الإسباني بيب جوارديولا، الذي كتب فصلاً طويلاً مع مانشستر سيتي على مدار عقد كامل، إذ احتضنت تلك السنوات العديد من الذكريات والمواقف التي انتهت بالفوز بالألقاب وتحقيق أرقام قياسية لا تعد ولا تحصى.

وسلطت صحيفة جارديان الإنجليزية الضوء على أبرز المواقف والقصص التي مر بها جوارديولا سواء في غرفة الملابس مع لاعبيه، أو مع طاقمه الفني خارج الملعب وداخله، بل مع موظفي النادي وأسرهم أيضًا خلال العشر سنوات الأخيرة.

كواليس غرفة ملابس السيتي

كانت تعليمات جوارديولا للاعبي السيتي في مباراة الفريق أمام سبورتنج لشبونة، عندما كان السيتي هو أول فريق في تاريخ دوري الأبطال يتقدم في مباراة إقصائية خارج أرضه بفارق أربعة أهداف بالشوط الأول، هي من أبرز الأمثلة عن كيفية تعامله مع اللاعبين في غرفة الملابس.

وشهد هذا الشوط سيطرة مطلقة من قبل اللاعبين جعلت الجماهير البرتغالية تصفق للاعبي السيتي رغم قسوة النتيجة، حيث سجل برناردو سيلفا هدفين، وأضاف رياض محرز وفيل فودين هدفين آخرين، بينما بدا كل شيء مثالياً بالنسبة للفريق الإنجليزي.

وعلى الرغم من ذلك، لم يكن هناك أي احتفالات داخل غرفة ملابس الفريق، حيث دخل جوارديولا غاضبًا، وبدأ في انتقاد التمريرات الخاطئة وبعض التفاصيل الصغيرة رغم التقدم الكبير، محذرًا لاعبيه من أن التراخي في الأدوار المقبلة سيؤدي إلى الإقصاء.

وكانت تلك اللحظة تلخّص عقلية بيب أكثر من أي شيء آخر، فهو الرجل الذي لا يثق أبدًا في الكمال، ويخشى دائمًا اللحظة التي يعتقد فيها فريقه أنه أصبح مثاليًا.

الفوز لا يكفي أبدًا

وأشارت التقارير إلى أن هناك الكثير من القصص التي أوحت إلى مدى هوس جوارديولا بالكمال، والذي أصبحت جزءًا من أسطورته.

وكشف أحد أعضاء الجهاز الفني للفريق لصحيفة تليجراف البريطانية، أن جوارديولا انفجر غضبًا يومًا ما لأن العاملين حول الفريق لم يحتفلوا بالأهداف بحماس كاف خلال مباراة ودية قبل إحدى المواسم.

وقام جوارديولا بعرض بعض اللقطات لهم أثناء الجلوس بهدوء، متسائلًا: “لماذا لا يحتفل أحد؟”، فحتى المباريات الودية لم تكن مجرد مباريات بالنسبة له، بل كان يرى في كل دقيقة فرصة لبناء عقلية الانتصار.

هذا الهوس ظهر أيضًا في حياته اليومية داخل النادي، حيث كان يروي أوجويرو ضاحكًا كيف كان يمر أحيانًا على مكتب جوارديولا ليجده يتمشى وحيدًا بجواربه فقط، مع موسيقى كلاسيكية وشموع بخور، غارقًا في أفكاره وتحليلاته، مؤكدًا أنه مدرب يعيش كرة القدم بكل تفاصيلها، حتى حدود الجنون أحيانًا.

الوجه الآخر من جوارديولا

ورغم الصورة الصارمة التي التصقت بجوارديولا، فإن المقربين منه يؤكدون أن الجانب الإنساني لديه هو أكثر ما سيُفتقد بعد رحيله، حيث لم يكن الإسباني مجرد مدرب للفريق، بل كان قائدًا يعرف أسماء جميع العاملين بالنادي منذ يومه الأول.

وقبل وصوله في 2016، طلب بيب صور وأسماء كل الموظفين، ثم بدأ أول أيامه بتحية موظفة الاستقبال باسمها، في مشهد ترك انطباعًا هائلًا داخل النادي، حيث وصف أحد العاملين المدرب، قائلاً: “جعلنا نشعر أننا جميعًا متساوون.”

ومن أبرز القصص التي تم تداولها داخل النادي، الواقعة التي حدثت بعد تتويج السيتي بلقب الدوري في موسم الـ 100 نقطة، حيث أخبر أحد الموظفين بيب أن زوجته غاضبة بسبب كثرة خروجه للاحتفالات مع الفريق، فما كان من المدرب الإسباني إلا أن طلب الاتصال بها بنفسه.

ووفقًا للصحيفة، فإن بيب أمسك الهاتف واتصل بها قائلاً: “مرحبًا، أنا بيب حوارديولا، أعلم أننا نخرج كثيرًا، لكننا فزنا بالدوري الإنجليزي، سأعيده إلى المنزل الساعة الثانية صباحًا، لترد زوجة الموظف بجملة واحد قائلة: “الواحدة”، قبل أن تغلق الهاتف وسط انفجار الجميع بالضحك.

كيف كسب جوارديولا غرفة ملابس السيتي؟

تعلم جوارديولا من تجاربه السابقة في برشلونة وبايرن ميونخ أن النجاح لا يتحقق فقط بالأفكار التكتيكية، بل بالعلاقات الإنسانية أيضًا، لذلك حاول في مانشستر سيتي أن يكون أكثر قربًا من اللاعبين والموظفين.

وأكدت صحيفة تليجراف في تقريرها أن المدرب كان يروي للاعبين قصصًا عن أشخاص عاديين يواجهون ظروفًا قاسية من أجل إلهامهم، حيث تحدث مرة عن أب وابنه المريض بطريقة جعلت أوجويرو يبكي.

وعندما أُصيب أحد العاملين بالنادي بالسرطان، طلب منه التحدث أمام الفريق بالكامل، بينما وقف بيب متأثرًا حتى البكاء.

جوارديولا من الناحية الفنية

أما من الناحية الفنية، فتأثير جوارديولا لم يتوقف عند ألقابه مع مانشستر سيتي، حيث يرى كثيرون داخل إنجلترا أنه أعاد تشكيل طريقة لعب الكرة الإنجليزية بالكامل.

وأصبحت أفكاره حاضرة حتى في درجات الدوري الأدنى وملاعب الناشئين في إنجلترا، فأصبح الجميع يعتمد على البناء من الخلف والاستحواذ والضغط، فيما تعلم منه الكثير من المدربين مثل ميكيل أرتيتا وفينسنت كومباني وتشابي ألونسو وسيسك فابريجاس.

وقال أحد المقربين من المدرب الإسباني للصحيفة الإنجليزية: “عندما تشاهد فرقًا في الدرجات الدنيا تبني اللعب من الخلف، ستفهم حجم تأثير بيب”.

عشق خاص لإنجلترا ومانشستر

ومع الوقت، لم يقع جوارديولا في حب مانشستر سيتي فقط، بل في حب المدينة والكرة الإنجليزية نفسها، حيث كان يعشق أجواء الملاعب التقليدية مثل جوديسون بارك، ويتابع فرق الدرجات الأدنى، ويستمتع بالحديث عن قصص المدربين الإنجليز القدامى مثل سام ألاردايس.

كما كوّن المدرب علاقات قوية مع شخصيات عديدة في الكرة الإنجليزية، وتبادل الرسائل مع السير أليكس فيرجسون، كما ارتبط بصداقة مع توني بوليس ومايكل فلين وغيرهما.

بيب الذي لا يعرف الراحة

وأشار التقرير إلى أنه خلف كل هذا النجاح، كانت هناك شخصية لا تتوقف عن التفكير، بل مدرب يعمل بشكل مرهق، يراجع كل التفاصيل، ويبحث دائمًا عن التطور مهما حقق من ألقاب.

ولهذا السبب، سيفتقد النادي المدرب كثيرًا، فلن يودع النادي مجرد مدرب ناجح، بل يودع الشخصية التي أعادت تشكيل هويته بالكامل.

وبعيدًا عن البطولات والجاب الفني، فبقيت هناك بعض التفاصيل الصغيرة التي صنعت أسطورة جوارديولا داخل النادي، وكانت إحداها قيادته للسيارات.

فبحسب العاملين في السيتي، لم يكن بيب سائقًا جيدًا أبدًا، حيث كانت تتعرض سياراته للخدوش باستمرار داخل ملعب التدريب، حتى تحولت المسألة إلى مزحة دائمة بين الموظفين، ليظهر تعليق شهير: “الأعمدة هي التي تتحرك وليس بيب هو من يقود بتلك الطريقة السيئة”.

Leave a Reply